عبد الناصر كعدان
39
طب الكسور
خالفه . ثم رأينا أن نبتدي قبل الكلام في التشريح بتحرير مقدمة تعين على إتقان العلم بهذا الفن . وهذه المقدمة تشمل خمسة مباحث . . . " « 1 » . ولعل أفضل من درس التشريح بل وانتقد من سبقه في هذا الفن هو موفق الدين عبد اللطيف البغدادي في كتابه الذي سماه " كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر " . وفي هذا الكتاب يصف البغدادي زيارته إلى تل حيث كان يوجد مقدار كبير من الهياكل البشرية . وبعد أن فحص المئات منها كتب يقول : " ومن عجيب ما شاهدنا أن جماعة ممن ينتابني في الطب وصلوا إلى كتاب التشريح فكان يعسر إفهامهم وفهمهم لقصور القول عن العيان . فأخبرنا أن بالمغنس تلا عليه رمم كثيرة فخرجنا إليه فرأينا تلا من رمم له مسافة طويلة يكاد يكون ترابه أقل من الموتى به . تحدث ما يظهر منهم للعيان بعشرين ألفا فصاعدا ، وهم على طبقات من قرب العهد وبعده . فشاهدنا من شكل العظام ومفاصلها وكيفية إيصالها وتناسبها وأوضاعها ما أخذنا علما لا نستفيده من الكتب إما أنها سكتت عنها أو لا يفي لفظها بالدلالة عليه أو يكون ما شاهدناه مخالفا لما قيل فيها ، والحس أقوى دليلا من السمع ، فإن جالينوس وإن كان في الدرجة العليا من التحري والتحفظ فيما يباشره ويحكيه فإن الحس أصدق منه . ثم بعد ذلك يتخيل لقوله مخرجا إن أمكن فمن ذلك عظم الفك الأسفل فإن الكل قد أطبقوا على أنه عظمان بمفصل وثيق عند الحنك وقولنا الكل نعني به هاهنا جالينوس وحده فإنه هو باشر التشريح بنفسه وجعله دأبه ونصب عينيه وصنف فيه عدة كتب معظمها موجود لدينا والباقي لم يخرج إلى لسان العرب . والذي شاهدناه من حال هذا العضو أنه عظم ليس فيه مفصل ولا درز أصلا واعتبرناه ما شاء اللّه من المرات في أشخاص كثيرة تزيد عن ألفي جمجمة بأصناف من الاعتبارات فلم نجده إلا عظما واحدا من كل وجه . ثم إننا استعنا بجماعة مفترقة اعتبروه بحضرتنا وفي
--> ( 1 ) شرح تشريح القانون لابن النفيس ، تحقيق د . سلمان قطاية .